عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
113
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
وفيها توفي صاحب الموصل الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ الأرمني مملوك نور الدين أرسلان شاه ، كان مدير دولة أستاذه ، ثم آل أمره إلى أن استقل بالسلطنة ، وكان حازما شجاعًا مدبرًا خبيرًا . سنة ثمان وخمسين وست مائة في ثاني صفر منها نزل ملك التتار على حلب ، فلم يصبح عليهم الصباح إلا وحفروا عليهم خندقاً عمق قامة ، وعرض أربعة أذرع ، وبنوا حائطًا ارتفاعه خمسة أذرع ، ونصبوا عشرين منجنيقاً ، وألحوا بالرمي ، وشرعوا في نقب السور ، وفي تاسع صفر ركبوا الأسوار ، ووضعوا السيف يومهم ، ومن الغد ، فقتل أمم وأسر خلق ، وبقي القتل والسبي خمسة أيام ، ثم نودي برفع السيف ، وأذن مؤذن يوم الجمعة بالجامع ، وأقيمت الجمعة بأناس ، ثم حاطوا بالقلعة فحاصروها ، ووصل الخبر يوم السبت إلى دمشق ، فهرب أناس ، ثم حملت مفاتيح الحماة إلى الطاغية المذكورة ، واسمه هولا ، وحاصرت التتار دمشق ورموا برج الطارمه بعشرين منجنيقًا ، فتشقق ، وطلب أهلها الأمان فلبوهم ، وسكنها اليل كنيعًا ، وتسلموا بعلبك وقلعتها ، وأخذوا نابلس ونواحيها بالسيف ، ثم ظفروا بالملك فأخذوه بالأمان ، وصاروا به إلى ملكهم فرعى له محبته وبقي في خدمته أشهراً ، ثم قطع العزلة راجعاً ، وترك بالشام فرقة من التتار ، وتأهب المصريون وشرعوا في المسير ، ثارت النصارى بدمشق ، ورفعت رؤوسها ، ورفعوا الصليب ومروا به ، وألزموا الناس القيام له حوانيتهم ووصل جيش الإسلام للملك المظفر ، فالتقى الجمعان على عين جالوت غربي بيسان ، ونصر الله دينه الظاهر على سائر الأديان ، والحمد لله للطيف المنان ، وقتل المصاف مقدم التتار كنيعًا ، وطائفة من أمراء المغل ، ووقع بدمشق النهب والقتل النصارى ، وأحرقت كنيسة مريم ، وذلك في أواخر رمضان ، وعيد المسلمون على عظيم ، فلما رجع الملك المظفر بعد شهر إلى مصر أضمر شرًا لبعض أهل الدولة وآل الأمر إلى أن رماه بهادر المغربي بسهم قضى عليه بقرب قطبة ، وتسلطن ركن الدين الملك الظاهر ، وكان قد ساق وراء التتار إلى حلب ، وطمع في أخذ حلب ، وقال : وقدو عده بها ملك المظفر فلما رجع أضمر له الشر ، وخلف الأمراء بدمشق لنائبها علم الدين الحلبي